كتب - محمد مصطفى

في تصريحات وصفت بأنها "رصاصة الرحمة" على مفهوم الأمن الجماعي الغربي، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوماً لاذعاً على حلف شمال الأطلسي (ناتو)، واصفاً إياه بأنه تحول إلى "نمر من ورق"، وملمحاً بشكل غير مسبوق إلى إمكانية انسحاب الولايات المتحدة أو تعليق التزاماتها الدفاعية تجاه الحلفاء الأوروبيين.

 هل هو إعلان بسقوط وهم الحماية

حيث اعتبر ترامب في تدوينات وتصريحات صحفية أن الحلف فقد قدرته على الردع، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك تماماً "هذا الانكشاف"، وموضحاً النقاط التالية:

  • اختلال موازين الإنفاق: جدد ترامب اتهامه للدول الأوروبية بالاعتماد الكلي على أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، مؤكداً أن واشنطن لن تحمي "الدول المتقاعسة" عن دفع حصتها العادلة.
  • النمر الورقي: وصف ترامب الترسانة الدفاعية الأوروبية بأنها "شكلية ومتهالكة"، معتبراً أن الحلف لا يملك الإرادة السياسية أو القدرة العسكرية لمواجهة تهديدات حقيقية دون قيادة أمريكية مباشرة.
  • رسالة إلى موسكو: أشار ترامب إلى أن سياساته تهدف لإجبار أوروبا على "الاستيقاظ"، زاعماً أن روسيا لا تحترم إلا القوة المالية والعسكرية المستقلة، وليس "التحالفات الورقية القائمة على الوعود".

صدمة في البيت الأبيض

أبدى ترامب دهشته من البرود الدولي تجاه طلب واشنطن، موضحاً أن المساعدة كان يجب أن تكون "تلقائية" نظراً للتاريخ الطويل من الدعم الأمريكي لأوروبا. وجاءت أبرز نقاط تصريحه كالتالي:

  • خيبة الأمل في الحلفاء: وصف ترامب غياب السفن الأوروبية عن هرمز بأنه أمر "يصعب تصديقه"، مشيراً إلى أنه لم يمارس ضغوطاً كبيرة لأنه اعتبر المشاركة واجباً بديهياً.
  • المقارنة بأزمة أوكرانيا: استذكر الرئيس الأمريكي الدعم الذي قدمته بلاده لكييف، قائلاً بلهجة حادة: "كنا إلى جانبهم دوماً بشكل تلقائي، بما في ذلك أوكرانيا. أوكرانيا لم تكن مشكلتنا، بل كانت اختباراً، وكنا هناك من أجلهم وسنظل، لكنهم لم يقفوا إلى جانبنا حين احتجناهم".

زلزال في العواصم الأوروبية وتداعيات محتملة

 وبالطبع أحدثت هذه التصريحات حالة من الذعر الدبلوماسي في بروكسل ولندن وبرلين وغيرها من العواصم الأوروبية الكبرى، حيث يرى مراقبون أن توقيت هذا الهجوم (بالتزامن مع التصعيد في الشرق الأوسط وغارات إيران) يضع أوروبا في مأزق أمني وتاريخي يتلخص في تداعيات عدة على مختلف الأصعدة منها:

1. الانهيار المعنوي لـ "المادة الخامسة"

تعتبر المادة الخامسة (الدفاع المشترك) حجر الزاوية في الحلف. تشكيك ترامب في "تلقائية" الدعم الأمريكي يعني:

  • فقدان الردع: لم تعد روسيا أو أي قوة منافسة تخشى التدخل العسكري الأمريكي المباشر لحماية أوروبا، ما دامت واشنطن تربط الحماية بـ"الفواتير المدفوعة" والمواقف السياسية (مثل أزمة هرمز).
  • الانكشاف الأمني لدول البلطيق: دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، التي تعتمد كلياً على المظلة الأمريكية، تجد نفسها اليوم في "منطقة رمادية" خطيرة أمام الطموحات الروسية.

2. سباق "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي

دفعت تصريحات ترامب العواصم الأوروبية نحو خيارات كانت مؤجلة:

  • "الجيش الأوروبي الموحد": عادت فرنسا وألمانيا لإحياء فكرة القوة العسكرية المستقلة عن واشنطن، كضرورة وجودية وليس مجرد خيار سياسي.
  • إعادة التسلح الوطني: بدأت دول مثل بولندا وبريطانيا في تسريع خطط التسلح الذاتي، تحسباً للحظة التي قد تجد فيها نفسها وحيدة في مواجهة أي تهديد خارجي.

3. "أزمة هرمز" كمختبر للولاء

ربط ترامب بين ملف أوكرانيا ومضيق هرمز خلق أزمة ثقة عميقة:

  • المعاملة بالمثل: يرى ترامب أن أمريكا قدمت "خدمة" لأوروبا في أوكرانيا، وبما أن أوروبا رفضت إرسال سفن لهرمز، فإن واشنطن لم تعد ملزمة بالدفاع عن حدود أوروبا.
  • تفكك جبهة "القيم المشتركة": تحولت العلاقة من تحالف قيمي إلى "علاقة تعاقدية"؛ "احمِ مصالحي في الخليج، أحمِ حدودك في شرق أوروبا".

4. المستفيدون الجيوسياسيون (روسيا والصين)

  • موسكو: يرى الكرملين في هذه التصريحات انتصاراً لاستراتيجيته طويلة الأمد الهادفة لتفكيك وحدة الغرب. غياب التزام واشنطن تجاه الناتو يمنح بوتين نفوذاً هائلاً في رسم خارطة أمنية جديدة لأوروبا.
  • بكين: تستغل الصين هذا الشرخ لتعزيز علاقاتها التجارية مع أوروبا، مقدمةً نفسها كشريك "أكثر استقراراً" من الولايات المتحدة المتقلبة في عهد ترامب.

5. التداعيات على الاقتصاد وأمن الطاقة

  • عدم اليقين في الأسواق: التلويح بالانسحاب من أكبر تحالف عسكري في العالم يثير ذعر المستثمرين، مما يؤدي إلى تذبذب العملات الأوروبية (اليورو والجنيه الإسترليني).
  • سباق التسلح المكلف: اضطرار أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل مفاجئ سيقتطع من ميزانيات الرفاه والخدمات، مما قد يؤدي لاضطرابات اجتماعية داخل القارة.

سيناريو الخذلان وفقا للرؤية الأمريكية للموقف الأوروبي في الحرب على إيران 

وفقاً للمعطيات والتقارير الدبلوماسية الواردة حتى الأول من أبريل 2026، يمكن تلخيص "الخذلان" الذي تحدث عنه الرئيس دونالد ترامب من جانب القوى الأوروبية الكبرى (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، وإسبانيا) في عدة نقاط استراتيجية وميدانية حاسمة، أدت إلى الشرخ الحالي في حلف الناتو والذي يوشك على الانهيار:

1. الرفض الجماعي للمشاركة في "تحالف هرمز"

كان المطلب الأمريكي الأساسي هو تشكيل قوة بحرية دولية بقيادة واشنطن لتأمين مضيق هرمز وإعادة فتحه بالقوة إذا لزم الأمر. وجاء الرد الأوروبي مخيباً لآمال البيت الأبيض:

  • بريطانيا: رغم كونها الحليف الأقرب، فضلت لندن إرسال إشارات دبلوماسية للتهدئة وتجنب الانخراط في "حرب شاملة"، مكتفية بحماية ناقلاتها بشكل منفرد ومحدود، وهو ما اعتبره ترامب "طعنة في الظهر" بعد دعم واشنطن لها في ملفات ما بعد البريكست.
  • فرنسا وإيطاليا: رفضتا بشكل قاطع إرسال قطع بحرية تحت قيادة أمريكية، وفضلتا مبادرة "أوروبية خالصة" للمراقبة فقط، خوفاً من الانجرار إلى صراع لا يخدم مصالحهما التجارية مع طهران.
  • إسبانيا: سحبت فرقاطاتها من أي مناورات مشتركة في المنطقة بمجرد تصاعد نبرة الحرب، ملتزمة بموقف الحياد.

2. التمسك بـ "القنوات الدبلوماسية" وقت الحرب

بينما كان ترامب يشن غاراته الجوية ويطالب بحشد عسكري عالمي، استمرت هذه الدول في محاولة فتح قنوات اتصال مع طهران:

  • اعتبر ترامب أن هذه التحركات الأوروبية تمنح النظام الإيراني "نفساً طويلاً" وتضعف من تأثير الضغوط العسكرية الأمريكية.
  • وصف البيت الأبيض الموقف الأوروبي بأنه "محاولة للعب على الحبلين"؛ الاستفادة من الحماية الأمريكية ورفض دفع ثمنها السياسي والعسكري.

3. "أزمة التمويل" والاستمرار في سياسة "الراكب المجاني"

كرر ترامب اتهامه لهذه الدول بأنها تستغل الميزانية العسكرية الأمريكية:

  • فرنسا: طالبها ترامب بالمشاركة الفاعلة بدل "التنظير السياسي"، مشيراً إلى أن باريس تعتمد على القواعد الأمريكية في إفريقيا والشرق الأوسط لكنها ترفض مساعدة واشنطن في هرمز.
  • إيطاليا وإسبانيا: انتقد ترامب تدني إنفاقهما الدفاعي (أقل من 2% من الناتج المحلي)، معتبراً أن عدم إرسال سفن حربية هو نتيجة "بخل عسكري" متعمد وليس مجرد موقف سياسي.

4. المقارنة بملف أوكرانيا (نقطة الخلاف الجوهرية)

استخدم ترامب ملف أوكرانيا كـ "حجة أخلاقية" ضد الأوروبيين، حيث يرى أن:

  • الولايات المتحدة أنفقت المليارات لحماية أمن أوروبا المباشر في وجه روسيا.
  • عندما طلبت واشنطن مساعدة "بسيطة" (إرسال سفن لهرمز) لحماية أمن الطاقة الذي تستفيد منه أوروبا بالدرجة الأولى، جاء الرد بالرفض أو "البرود الدولي".

ووفقا لتلك المواقف الأوروبية، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره المفاجئ بالانسحاب من تأمين مضيق هرمز وترك الدول الأوروبية تواجه مصير إمداداتها النفطية وحدها، وهو ما لخصه بجملته الشهيرة: "اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم، قبل أن يلوح بالانسحاب من حلف الناتو".